Pages

السبت، 23 يناير 2021

 



سأعيد معكم دوران الزمن، حيث بدت حكاية صديقنا شاه، ذو ال59 عاماً. وطأت قدماه المكان هنا قبل 30 عاماً، قرر معها بداية مشوار العمل ليعيل عائلته الصغيرة.

وهناك في الهند، في قريته الصغيرة التي قدِم منها، لم تكن طموحاتهم متشابهة الملامح مع ما نكتبه ونتسامر به هنا، بل كل ما في الأمر هو أن تستمر أواصر العائلة، وأن تبقى أعمدة المنزل ثابتة، وكي يرى الأولاد، يكبرون، ثم ينغمسون في تعليمهم المكلف، حتى سن استقلالهم وانفرادهم بطموحهم هم.


شاه، قرر كل ذلك تحت دافع التضحية، أن يتحمل غربة الثلاثين عام، يزور عائلته مرة كل عامين، يتقلب بين الشركات الوظيفية التي ابتدأها بمبلغ ال20 ديناراً في الشهر. وانتهى به اليوم ليصل راتبه إلى 80 ديناراً !

لم يكن ذلك بالمهم كثيراً عند شاه، في حين أن الأهم هو أن يستمر هو في سماع صوت عائلته بخير!!


شاه، وهو في أحد المؤسسات في الدولة، قرر أن ينهي مشواره بعد خبر "تفوق" ابنه من كلية الهندسة، وكان يمضي بين العاملين ليقول، لقد أصبح ابني مهندساً.

لقد كان من المفترض أن يكمل شاه عامه الأخير حسب قرار المؤسسة، لكنه اكتفى بذلك، فقد كان تفوق ابنه هو الهدف المنشود الذي ضحى من أجله كل ذلك العمر.


شاه، يريد أن يعود، ليكتب في شهادة ابنه، أن تفوقك هو نتاج التضحية من العمر، أن أباك لم يرغب في ملذات الدنيا، أن أباك صاحب ال59 عاماً، كان بين الشيوخ والعوام مجرد عامل نظافة! لا يرد على سلامه، ولا ينهض في حضرته أحد، لكنه مع كل تلك المرارة، يرى بين عينيه "وطنه" .. الهند.


وطنه ، الذي اختاره الله له، واختار معه جلدته وبشرته ولغته.


أما هم. فقد اختاروا "طباعهم وسلوكياتهم وقراراتهم"..

التي من بينها، أن يكون أبوك "شاه" .. قد أنهى حياته المهنية براتب 80 ديناراً فقط.




((وفق الله شاه وعائلته لكل خير))





الأحد، 17 يناير 2021


 
الأب.. ذلك الكائن الأوحد الذي يشترك مع الأم في انقسام الحب بين أبنائه. فيظفر هو بواحدة من الثلاث.

لقد حاولت حصة رسم تفاصيل أبيها الذي لم تره أبداً. 
وكتبت تحته تلك العبارة. ثم نامت الساعات القصيرة التي اختطفها الليل الطويل.

لقد سألتها والدتها يوماً، لماذا ترسمينه بتلك الملامح؟ حاد البصيرة، عيناه مغضبتان، ومن يراه لا يوشك أن يتنبأ بعاطفته.

فتجيب حصة: بل هو على العكس من ذلك، لكنني رسمته في لحظة من لحظاته، هي تلك اللحظة التي غادرنا فيها.. فبالتأكيد لم يكن في حينها ذلك الأب الحنون في ملامح وجهه.

هل تحبينه؟ تسأل الأم.

نعم يا أمي. نعم. ولا تسأليني مراراً.


تستيقظ حصة، لترى أباها مازال في لوحته، بنفس تفاصيله تلك، بتلك الحدة والخشونة، وتبتسم هي لتلك اللوحة، لأنها تدرك تماماً أنه عكس كل تلك الملامح التي لم تستطع أن تغيرها بريشتها ولكنها تغيرت في أشلاء فؤادها المكلوم.

حصة ..
انتظرت طويلاً حتى تعي أن فراق والدها الذي قرر الاختفاء بعيداً، كان قدراً يرمي عليها ثقل الحياة كله. 

لقد قررت يوماً أن تمارس نفس الحيلة التي مارسها والدها، فكانت تكتب في دفاترها عن قرار الهجرة والمضي نحو اللا قرابة من أحد.

وحينها شعرت أن قراراً كذلك، قد يخلصها من المساءلة، لكنه سيرديها قتيلة من جديد في عالم لا تعرف تفاصيله ولا تدرك سبب وصولها إليه.

لقد أخبرت حصة والدتها يوماً أنها سئمت اسمها المذيل باسمه، فكانت تود لو تغير اسمها ليقف عند الثلاثة أحرف.

لكنها رسمته، وعلقت لوحته على جدارغرفتها وأمام عينيها في كل ليلة، فتبحر معه، نحو تفاصيل ماضيه وبقايا ذكرياته التي لا تذكرها، وكل ما هنالك منه عدا أنه هو.

والدها، الذي لم يكن والداً، بل كان لوحة من الزمن ترتسم في كل ملامحها. وهي الآن تعلق لوحته على أمل انتظار مجيئه لا لكي تحضنه باشتياق، بل لكي تقارن مدى براعتها وبصيرتها في إتقان ملامحه الحقيقية ومقارنتها مع اللوحة!



(( الرسمة بتصرف أحد ا المبدعات  الكويتيات ))